logo
اللواء أ.ح / محمد سمير

  رسائل من كلية البنات 

اللواء أ.ح / محمد سمير 

منذ أيام قليلة مضت فى مطلع هذا الأسبوع، تلقيت دعوة كريمة من جامعة عين شمس العريقة- قلعة العلم والعلماء- لإلقاء محاضرة توعية وحضور لقاء مفتوح مع الطالبات وأعضاء هيئة التدريس بكلية البنات للآداب والعلوم والتربية، وذلك من خلال تدشين الصالون الثقافى الأول للشباب، والذى أفادت الجامعة بأنه سيعقد بصورة نصف شهرية وتستضيفه كليات الجامعة المختلفة بالتتالى، بهدف فتح آفاق واسعة أمام رؤى الشباب المصرى حول القضايا القومية، وكذلك تقديم عدد من النماذج البارزة كقدوة لشباب الجامعة، وتوطيد التواصل بين الأجيال.

وعلى الفور قبلت الدعوة، نظراً للهدف الوطنى السامى من ورائها، وكذا لما تمثله جامعة عين شمس لدىَّ من مكانة خاصة، حيث إننى تشرفت بأن حصلت منها على بكالوريوس إدارة الأعمال فى نهاية الثمانينيات بعد تخرجى فى الكلية الحربية.

والبداية كانت فى تمام العاشرة صباحاً فى مكتب العالم الجليل السيد الدكتور/ عبدالوهاب عزت، رئيس الجامعة.. ويتواجد المكتب بالتحفة المعمارية ذات الطراز الأوروبى الفريد المسمى «قصر الزعفران»، الذى تم إنشاؤه عام 1870 فى عهد الخديو إسماعيل، على يد المهندس «مغربى بك سعيد»، وتم تصميمه على غرار قصر «فرساى» فى فرنسا، الذى قضى فيه الخديو فترة تعليمه.. ونظراً للمكانة المعمارية والتاريخية والعلمية التى يتمتع بها هذا القصر فقد خاطبه شاعر النيل «حافظ إبراهيم» ببيت من الشعر عام 1922 قائلاً:

أقصر الزعفران لأنت القصر.. خليق أن يتهدى على النجوم

وفى عام 1872 أهدى الخديو إسماعيل القصر لوالدته المريضة لتقيم فيه خلال فترة الاستشفاء من مرض عضال أصابها، حيث نصحها الأطباء بالهواء النقى، لذا أمر إسماعيل وقتها بزراعة حديقة غناء حول القصر كانت مزروعة بكاملها بنبات «الزعفران» ذى الرائحة الزكية.

وقد تشرفت أن ألتقى فى مكتب رئيس الجامعة مع السيد الدكتور/ طارق منصور، وكيل كلية الآداب، ومنسق عام الصالون الثقافى، والسيدة الدكتورة/ هبة شاهين، رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب، ومدير المركز الإعلامى للجامعة.. ودار بيننا جميعاً حديث طويل فى أمور جوهرية شتى، اكتشفت فى نهايته أن ثلاثتهم يجمعون بين عمق الثقافة، وسعة الأفق، وشدة التواضع، ورفعة الخلق.. فهنيئاً لطلبة وطالبات الجامعة بهذه النماذج الإنسانية المشرفة، والقامات العلمية المتميزة التى تمثل قدوة ومثلاً يحتذى.

وفى تمام الساعة الحادية عشرة تحركنا جميعاً إلى مكان الصالون الثقافى بمبنى «كلية البنات»، حيث كان فى استقبالنا السيدة الدكتورة/ رقية شلبى، عميدة الكلية، وهى شخصية بالغة الرقى والتحضر، وتجمع بين تواضع العلماء ودماثة خلق الأساتذة الأجلاء.. وقد تشرفت بأن زاملنى على منصة اللقاء فضيلة الشيخ المستنير/ أحمد ترك، مدير عام إدارة الدعوة بوزارة الأوقاف، والكاتبة المرموقة الدكتورة أمانى إبراهيم.

وبمجرد أن وصلنا إلى قاعة اللقاء وجدت تميزاً شديداً فى كافة النواحى التنظيمية والمراسمية والمهنية، وهو ما انعكس على جميع وقائع اللقاء الثرى بقيمته وأحداثه، والذى سار بمنتهى السلاسة والرقى المطلوبين لمثل هذه النوعية من اللقاءات.

وأصدقكم القول بأننى فى نهاية اليوم وجدت «مصر العظيمة» ممثلة فى كل الموجودين، فيا لجمال وروعة ما وجدت.. وجدت ثقافة حقيقية، ووعياً رائعاً بقضايا الوطن، وتفاعلاً لا مثيل له، وانضباطاً سلوكياً على أعلى مستوى، وأدباً جماً فى أسلوب الحوار يدلك على التربية الرائعة التى رباها الآباء والأمهات العظماء لهذه الكوكبة الرائعة من الطالبات.. وجدت شابات ينضحن بالذكاء الفطرى، والنضوج الفكرى، والتمسك بالقيم والمبادئ الأصيلة.

وهو ما يحتم علىَّ أن أدعو كل كتاب ومنتجى الأعمال الدرامية فى مصر لزيارة «كلية البنات»، لأنهم سيكتشفون مصر أخرى وشباباً واعداً وخلاقاً مختلفين كل الاختلاف عن الصورة المشوهة التى صدروها لنا عن مصرنا الأصيلة التى نعرفها فى العديد من أعمالهم،خاصة فى العامين الأخيرين.

وبدورى أقترح على جريدتى الغراء واسعة الانتشار «المصرى اليوم»- وهى الرائدة فى كل القضايا التى تخص الشباب- بأن تستحدث صالوناً ثقافياً فكرياً وتوعوياً بصورة شهرية يحضره شباب جامعى من جميع محافظات مصر، بغرض زيادة مساحة الوعى بجميع القضايا التى تهم الوطن، وغرس وترسيخ قيم الولاء والانتماء التى تحتاجها بلادنا الآن أكثر من أى وقت مضى.

إن محصلة اليوم الرائع الذى قضيته بين جنبات «كلية البنات».. أن مصر تمتلك أفضل شباب فى العالم، وأننا نستطيع بقدر يسير من الجهد المنظم والعمل الدؤوب أن نحقق لمصر بهم كل ما تتطلع إليه.. والله من وراء القصد.

جامعة عين شمس العظيمة.. شكراً جزيلاً لكم من القلب على هذا الفكر الراقى.. وأدعو جميع جامعات مصر العظيمة إلى أن تستلهم هذه التجربة الرائعة وتطبقها على أرض الواقع لما لها من فوائد جمة وعظيمة الأثر على جميع شباب الوطن.

نقلا عن جريدة / المصري اليوم